غيّرت واشنطن أسلوب استخدام الأسلحة، لكنها لم تغيّر جوهر المشكلة، بحسب الكاتب جاسم العزاوي، الذي يرى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقلت معركتها مع إيران من ساحات القتال إلى المجال المالي، بعدما أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في 24 أغسطس ما وصفه المسؤولون خلال الأيام العشرة السابقة بأنه «يوم إنزال اقتصادي» تحت اسم «عملية المنبوذ الاقتصادي». وتعهد بيسنت بـ«قطع كل شريان اقتصادي يبقي هذا النظام المستبد قائمًا حتى تقف طهران وحيدة»، في وقت تعثرت فيه الحملة العسكرية وأصبحت المعركة المالية تحمل العبء الأكبر.
وبحسب ما كتبه العزاوي ونشره ميدل إيست مونيتور، أعلن بيسنت أن أي جهة تساعد إيران على غسل الأموال ستُستبعد من النظام المالي القائم على الدولار، مؤكدًا أن «الساعة بدأت تدق»، لكنه لم يحدد دولًا بعينها أو يضع جدولًا زمنيًا واضحًا. وعندما سُئل عن احتمال استهداف البنوك الصينية، في ظل شراء الصين نحو 90% من النفط الإيراني، اكتفى بالتحذير من أن أحدًا لن يكون بمنأى عن العقوبات الأمريكية. كما أقر بيسنت بحدود قدرة واشنطن على استخدام نفوذها المالي، قائلًا: «لماذا أرغب في تفجير النظام المالي العالمي؟».
تهديد أمريكي بلا جدول زمني واضح
يكشف هذا التصريح، وفق العزاوي، جانبًا أساسيًا من الاستراتيجية الأمريكية؛ إذ تحتاج واشنطن إلى تهديد قوي بما يكفي لترهيب الشركاء التجاريين لإيران، لكنه ليس قويًا إلى حد زعزعة النظام المالي العالمي الذي تعتمد عليه واشنطن نفسها. ويصف الكاتب ذلك بأنه شكل من أشكال الإكراه الذي يفرض على نفسه سقفًا محددًا، بينما تعلمت القيادة الإيرانية قراءة حدود هذا السقف.
ولم ينتظر الإيرانيون العاديون دخول العقوبات الجديدة حيز التنفيذ حتى يشعروا بوطأتها. فقد انهارت قيمة الريال إلى أكثر من مليوني ريال مقابل الدولار الأمريكي في السوق الحرة مع اقتراب إعلان بيسنت، في حين لا يزال البنك المركزي الإيراني يحدد سعرًا رسميًا يقارب 1.5 مليون ريال للدولار. كما اقترب معدل التضخم من 90%، وفقًا للمركز الإحصائي الإيراني.
ونقلت شبكة NPR عن شابة إيرانية قولها إن معظم الناس باتوا يشترون احتياجاتهم من البقالة بالائتمان، بعدما أصبح من الصعب عليهم دفع ثمنها مقدمًا. ويرى العزاوي أن العقوبات نادرًا ما تصل إلى صانعي القرار في طهران بالسرعة نفسها التي تصل بها إلى الأسر، إذ تتحمل الأسر العادية الجزء الأكبر من تداعياتها وفي مقدمة المتضررين منها.
دول الخليج لا تسارع إلى تأييد واشنطن
تكشف ردود الفعل في العواصم الخليجية جانبًا آخر من المشهد، إذ أنفقت دول خليجية مليارات الدولارات على إنشاء خطوط أنابيب مصممة خصيصًا لنقل النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، بما يوفر لها قدرًا من الحماية في مواجهة أزمات نقاط الاختناق التي قد تنشأ بسبب سياسات واشنطن تجاه إيران.
لكن تلك الدول الخليجية لم تسارع إلى إعلان مواقف مؤيدة عندما كشف بيسنت عن حملة العقوبات الجديدة. ويرى الكاتب أن صمت حكومات اعتادت عادةً الاصطفاف مع واشنطن بشأن السياسة تجاه إيران يمثل بحد ذاته إشارة مهمة، وقد يعكس تشككًا هادئًا في قدرة جولة جديدة من الضغوط المالية على تحقيق نتائج مختلفة عن تلك التي أفضت إليها جولات العقوبات السابقة.
وتبرز المشكلة الأعمق في طبيعة العقوبات نفسها، إذ يعتمد التهديد بإقصاء بنك من النظام المالي القائم على الدولار على استمرار رغبة الجميع في البقاء داخل هذا النظام. إلا أن أبحاث JPMorgan تشير إلى تراجع حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية إلى أدنى مستوياتها منذ عقدين، بالتزامن مع تراجع حيازة الأجانب من سندات الخزانة الأمريكية على مدى 15 عامًا.
ولا تحتاج القيادة الإيرانية إلى متابعة الصحافة الأمريكية لاكتشاف هذا الاتجاه، بل يكفيها مراقبة تزايد تردد حلفاء واشنطن أنفسهم في الاحتفاظ بأصول مقومة بالدولار. ويشير العزاوي إلى أن قوة عظمى تستخدم النظام المالي كسلاح رئيسي لها تواجه مشكلة متنامية إذا تراجعت جاذبية هذا السلاح على المستوى العالمي.
طهران لا تتراجع والضغط المالي لا يغيّر الحسابات العسكرية
لم يغيّر الضغط الاقتصادي الجديد الموقف العسكري الإيراني، إذ واصلت قيادة الحرس الثوري، التي تشكلت خلال فترة الحرب بعد مقتل عدد من كبار القادة في ضربات إسرائيلية وأمريكية في وقت سابق من العام، تبني موقف أكثر تشددًا.
ووصف قائد الحرس الثوري مؤخرًا الردع بأنه «الوسيلة الوحيدة الحكيمة والفعالة» لمواجهة ما وصفه بـ«مؤامرات العدو» المستمرة. كما حذر المتحدث باسم الحرس من أن إيران ستستخدم «أسلحة أكثر تدميرًا وتطورًا بدرجة كبيرة» في أي حرب مستقبلية.
وبذلك، تسير الضغوط المالية والمواجهة العسكرية على مسارين منفصلين، من دون مؤشرات واضحة على اقتراب أي منهما من تغيير حسابات الطرف الآخر.
ويخلص العزاوي إلى أن «عملية المنبوذ الاقتصادي» لا تمثل خروجًا عن الحرب، بل استمرارًا لها بوسائل أخرى، بعدما نقلت واشنطن استهدافها من مواقع الصواريخ إلى الحسابات المصرفية الإيرانية. غير أن نجاح السلاح المالي يظل مرتبطًا بقدرته على الحفاظ على المصداقية، في وقت تواصل فيه الأوضاع المالية الأمريكية نفسها تقويض هذه المصداقية.
وسيواصل الاقتصاد الإيراني دفع ثمن العقوبات الجديدة، كما دفع ثمن العقوبات السابقة، بينما يتحمل المواطنون العاديون النصيب الأكبر من تداعياتها. لكن ذلك، بحسب الكاتب، لن يغير بالضرورة حسابات طهران، التي ترى أن الضغوط الأمريكية، مهما ارتفع سقف التصريحات بشأنها، لا تزال تتوقف قبل الوصول إلى مرحلة إجبارها على الاستسلام الحقيقي.
ويشير العزاوي إلى أن ستة أشهر من الحرب علّمت القيادة الإيرانية هذا الدرس في ساحة المعركة، ومن غير المرجح أن تغيّر ستة أيام من إعلانات العقوبات هذا الحساب.
https://www.middleeastmonitor.com/20260828-operation-economic-outcast-washington-swaps-missiles-for-money-but-the-math-still-doesnt-add-up/

